|
وفق
خطة العمل التي تسير عليها " المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم
والثقافة "
" Islamic
Educational, Scientific and Cultural Organization"

والمعروفة اختصارا باسم ( الأيسيسكو
Isesco) والتي حددت أهدافا عديدة في إطارها ، منها ما يعرف بمشروع
عواصم الثقافة الإسلامية ، حيث تختار عاصمة إسلامية للاحتفاء بها
إظهارا لدورها في الثقافة الإسلامية على المستوى المحلى والوطني
والعالمي ، فقد قررا لمؤتمر الإسلامي الرابع لوزراء الثقافة والذي عقد
بالجزائرفى ديسمبر سنة 2004 م – اختيار مدينة الإسكندرية عاصمة للثقافة
الإسلامية لعام 2008م في المنطقة العربية0
مبررات الاختيار:
جاء اختيار مدينة الإسكندرية عاصمة للثقافة الإسلامية
للاحتفاء بها تقديرا لدورها التاريخي في ترسيخ الثقافة الإسلامية
ونشرها، وإظهارا لهذا الدورالكبيرعلى المستوى المحلى والوطني والعالمي
، ولم يكن هذا الاختيار وليد الصدفة بل مرتكزا على مبررات عديدة أبرزها
ما يلي :
1. موقع الإسكندرية الجغرافي الممتاز كملتقى حضاري بين الشرق والغرب ،
منذ نشأتها في سنة 332 قبل الميلاد، ومركز للثقافة والحضارة في حوض
البحر المتوسط من خلال مكتبتها القديمة ودار الحكمة بها والتي جعلت من
المدينة عاصمة العالم الثقافية في العصر البطلمي وأعظم مراكز الحضارة
به 0
2. عراقة تراث الإسكندرية الثقافي الذي رسخت جذوره منذ ثلاثة وعشرين
قرنا – وما تزال حتى الآن مركزا لإشعاع ثقافي متعاظم في دوائر متعاقبة
محليا، ووطنيا، وعربيًا، وإسلاميًا ودوليًا 0
3. أن الإسكندرية – ومنذ أن أشرق نور الإسلام في ربوعها في القرن
السابع الميلادي – أصبحت مساجدها ومعاهدها الإسلامية مراكز ثقافية
عامرة بأعلام الدين، واللغة، والفقه، والتصوف 0
4. تجلى دور الإسكندرية الثقافي في العصر الإسلامي بعد أن بدأت تتصل
بالمغرب العربي ، والأندلس – اتصالا وثيقا منذ أوائل القرن
العاشرالميلادى ، وأصبحت أول مدينة ينزل بها حجاج المغرب والأندلس وهم
في طريقهم إلى الأراضي المقدسة لأداء فريضة الحج ، ولذلك أسماها
الجغرافيون الكلاسيكيون باسم ( باب المغرب ) 0
5. حملت الإسكندرية لواء التصوف مبكرا ، ووفد إليها أعلام التصوف في
القرن الثالث عشر الميلادي ( السابع الهجري ) منهم : أبو الفتح الواسطي
، وأبو الحسن الشاذلي ، وأبو العباس المرسى ، وابن عطاء الله السكندري
، والبوصيرى وغيرهم 0
6. زار الإسكندرية عبر تاريخها الإسلامي رجال كثيرون مسلمون وغير
مسلمين وصفوها عمرانا وسكانا وثقافة ، وتم ذلك في عصور
الإزدهاروعصورالإنكسار التي شهدتها المدينة منذ الفتح العربي لها ،
وحتى أواخر القرن الثامن عشر الميلادى0
7. تحظى الإسكندرية اليوم – بآثار إسلامية قيمة لعل من أبرزها قلعة
قايتباي ومجمع المساجد ، ومسجد العطارين ، وبقايا سور الإسكندرية ،
وصهريج تاريخي للمياه 0
8. كان للأوقاف دور كبير في الحفاظ على عطاء الإسكندرية في الثقافة
الإسلامية وليس حديثا بل يرجع إلى زمن بعيد منذ العصر الأيوبي – عندما
أوقف الناصر صلاح الدين الأيوبي أوقافا خاصة للصرف على الوافدين إلى
الإسكندرية ، وعبر( ابن جبير) عن ذلك في رحلته المشهورة والتي زار فيها
الإسكندرية سنة 1183 م ( 578 هـ ) 0
9. كانت جذوة الثقافة الإسلامية في الإسكندرية متقدة حتى في
عصورالإنحدار التي شهدتها المدينة ، سواء بعد تحول التجارة عنها بعد
كشف طريق رأس الرجاء الصالح عام 1498م ، أو في عصرها العثماني الذي
فقدت فيه كثيرا من مظاهر ازدهارها القديم ، وظهر ذلك في استمرار دورها
على المستوى المحلى حتى جاء عصر الإحياء في عهــد محمد على سنة 1805وما
بعدها 0
10. تعاظم دور الإسكندرية في الثقافة الإسلامية في القرنين التاسع
عشر والعشرين ، وتمثل ذلك في تعدد الأدوار التي قامت بها في التعليم
والثقافة والإعلام والصحافة ،وهى كلها روافد للثقافة أسهمت بها
الإسكندرية على المستوى الوطني والعالمي ، ولعل في إنشاء جامعة
الإسكندرية بها عام 1942م ،وإحياء مكتبة الإسكندرية عام 2002م خير دليل
على ذلك 0
11. كانت الإسكندرية – وماتزال – مدينة للتعايش والتسامح بين
الديانات السماوية الثلاث اليهودية ، والمسيحية ،والإسلام – وغيرها من
المعتقدات ، و تجلى ذلك في معابدها ، وكنائسها ، ومساجدها حتى أصبحت
مدينة عالمية Cosmopolitan تتعايش فيها مختلف الثقافات تحت مظلة
الثقافة الإسلامية السامية والمعتدلة 0
******
الإسكندرية في العصر الإسلامي
حتى الوقت الحاضر
قد يتساءل البعض عن دور الإسكندرية في الثقافة الإسلامية
وهى المدينة التي أنشأها الاسكندر الأكبر وحملت اسمه منذ سنة 332 ق0م ،
وظلت عاصمة لمصر نحو ألف سنة قبل فتح العرب لها سنة 641
ميلادية0والواقع أن تاريخ الإسكندرية يــدل على عظمتها في العـــصر
اليوناني ( 332 ق0م – 30 ق0م ) ، حيث كانت أكبر وأعظم عاصمة في العالم
آنذاك وفاقت كل المدن المصرية واليونانية القديمة في الثراء والفخامة ،
واشتهرت بمكتبتها القديمة ، ودار الحكمة ، وقصورها الملكية العظيمة ،
ومنارتها الشهيرة ( منارة فاروس )، وعندما احتل الرومان مصر سنة 30 ق0م
، فقدت مصرإستقلالها ، وأصبحت ولاية تابعة للإمبراطورية الرومانية ،
وأصبحت الإسكندرية تبعا لذلك عاصمة لولاية تابعة لدولة أخرى ، بعد أن
كانت عاصمة لدولة مستقلة طوال العصر البطلمي ،ولكن ذلك لم يحل دون
تقدمها ، حيث شهدت إقامة نموا متواصلا في أوائل العصرالرومانى ، فقد
شهدت إقامة بعض المنشآت منها عمود السواري القائم حاليا، غير أنها
أصيبت بمحن كثيرة كان لها أثر كبير في تخريب بعض مبانيها، وتغيير
معالمها وخاصة في أواخر العصرالرومانى عندما انتشرت المسيحية في مصر
بصفة عامة، وفى الإسكندرية بصفة خاصة0
فقد شهدت الإسكندرية صراعات دامية بين الوثنيين والمسيحيين
ترتب عليها تخريب كثير من معالمها الهامة ، ولم تكن المدينة وقت أن
دخلها العرب حاملين لواء الإسلام سنة 20 هـ (641 ميلادية ) في ازدهارها
القديم بل كانت عوادى الزمن قد أتت على بعض معالمها ، وأتت الحوادث
السياسية على بعض آخر ، كما كانت قد فقدت مكتبتها ودار الحكمة بها،
ونقل العرب عاصمة مصر منها إلى الفسطاط مما أفقد الإسكندرية أحد
مقوماتها الرئيسية ، كما انقطعت عنها مياه النيل ، واعتمد سكانها على
الآبار 0
ورغم أن الإسكندرية فقدت كثيرا من مظاهرإزدهارها بعد
اتخاذ الفسطاط عاصمة لمصر الإسلامية واضمحلالها نسبيا خلال القرون
الثلاثة الأولى للهجرة عما كانت عليه في العصرين البطلمي والروماني ،
فقد احتفظت خلال تلك القرون بمركزها الثقافي القديم ،ومارست نشاطها
العلمي والفني والإقتصادى ، وإذا كانت الفسطاط ثم القطائع ثم القاهرة
قد أصبحت العاصمة الإدارية لمصر في العصر الإسلامي ،فقد كانت
الإسكندرية العاصمة الفعلية للبلاد طوال هذا العصرالذى امتد من الفتح
العربي لمصر حتى الفتح العثماني لها ، وقد وضح هذا الدور بجلاء في
العصرالأيوبى وعصر المماليك (1) 0
وقد ظلت الإسكندرية في العصر الإسلامي تحتفظ بتخطيطها الذي
ورثته عن العصر اليوناني الروماني خاصة نظام الشوارع المستقيمة
والمتقاطعة كما شهدت تطورا كبيرا في عمارتها الدينية حيث أنشئت بها
المساجد والمدارس والزوايا والأضرحة ، و من أبرز مظاهر العمــارة
الإسلامية مسجد العطارين ومسجد أبى العباس المرسى الذي أقيم خــارج باب
البحر سنة 706 هـ (1306م)0
وقد شهدت الإسكندرية منذ النصف الثاني من القرن الثالث
الهجري عهدا جديدا من الازدهار، فقد أحاطها أحمد بن طولون بسور منيع
يحميها من الغزوات ، وقام بحفر خليج الإسكندرية لتوصيلها بالنيل ، كذلك
وجه الفاطميون اهتماما خاصا بها 0 لا يقل عن اهتمامهم بعاصمتهم القاهرة
، فأصبحت قاعدة للأسطول الفاطمي في البحر المتوسط وجعلوا ثغرها محطا
للأساطيل القادمة من المغرب والأندلس والبندقية وجنوه 0وقد أشار
الجغرافي العربي أبو عبيد الله البكري إلى أهمية ثغر الإسكندرية في
العصر الفاطمي فذكر أن السفن كانت تفد من ثغور المغرب إلى الإسكندرية
حاملة المتاجر المغربية إليها ، كذلك ذكر الرحالة ناصر خسرو " أن بحر
الإسكندرية يمتد حتى القيروان " (2) ولعل ذلك يفسر السبب في بداية تأصل
التقاليد في جميع مناحي الحياة في الإسكندرية أدبية ومادية ، وبداية
وفود أئمة المغرب والأندلس إلى الثغر السكندري 0
وقد استمر ازدهار الإسكندرية العمراني في
العصر الأيوبي حيث كانت سوقا هامة للتجارة العالمية ، فكانت معظم
منتجات الشرق تتدفق إليها من طيب و عطور وتوابل وغيرها ، وكان الفلفل
أهم التوابل جميعا وكانت الإسكندرية أكبر سوق لتجارته في العالم في
العصور الوسطى (3) كما كانت المدينة تزخر بعدد كبير من الفنادق
والوكالات والقيسارات ، و كان الفندق – أو الخان – بناء هاما في حياتها
الاقتصادية شأنها في ذلك شأن المدن الإسلامية الكبرى 0 وأدى ذلك النشاط
العالمي إلى تزايد عدد التجار الفرنجة في ثغرها ،بل أقامت الجمهورية
الإيطالية فنادق لها في المدينة ، وذكر بنيامين التطيلى أن 18 دولة
كانت تتعامل مع الإسكندرية ولكل منها فندق بالثغر 0
وقد وصف الرحالة الأندلسي (ابن جبـير) نــهضة الإســـكندرية
واتساع عمرانها في القرن السـادس الهجري ( الثالث عشر الميلادي )
فوصفها بقوله ( فأول ذلك حسن وضع البلد واتساع مبانيه ، حتى أنا ما
شاهدنا بلدًا أوسع مسالك منه ولا أعلى مبنى أعتق ولا أحفل منه ،وأسواقه
في نهاية من الاحتفال أيضا ، ومن العجب في وصفه أن بناءه تحت الأرض
كبنائه فوقها وأعتق وأمتن ،لأن الماء من النيل يخترق جميع ديارها
وأزقتها تحت الأرض ،فتتصل الآبار بعضها ببعض ، ويمد بعضها بعضا (4) 0
ورغم ما قاسته الإسكندرية في عهد الفاطميين
والأيوبيين من فتن وثورات وغارات بحرية كانت تتهددها ، فقد ازدهر
عمرانها وزخرت بمختلف أنواع المنشآت مثل دار الضرب لسبك الذهب والفضة
وعمل الدراهم ودار العدل ودارا لمال ودار الصناعة ، و قد اهتم بها صلاح
الدين الأيوبي اهتماما كبيرا ، فعمر أسطولها وأنشأ بها مارستانا ودارا
للمغاربة و مدرسة وجدد حفر خليج الإسكندرية (5) 0
وقد بلغت الإسكندرية شأنا كبيرا في العصرالمملوكى ، فقد
تطور العمران بها تطورا سريعا ، وعاشت عصرا زاهرا نهضت فيه اقتصاديا
وثقافيا ، وكثر بها عدد المدارس وكان من أهمها أربعة عشرة مدرسة لدراسة
الحديث الشريف والفقه ،وتأثرت عمارتها بالمؤثرات المعمارية المغربية
بسبب كثرة وفود الأندلســيين والمغاربة ، وقد عبر الرحالة ابن بطوطة عن
هذا التوسع العمراني فقال " هي الثغر المحروس ، والقطر المأنوس ،
العجيبة الشأن الأصيلة البنيان ، بها ما شئت من تحسين وتحصين ومآثر
دنيا و دين ، كرمت مغانيها ، ولطفت معانيها وجمعت بين الفخامة والأحكام
مبانيها ، فهي الفريدة تجلى سناها ، والخريدة تجلى في حلاها ، الزاهية
بجمال المغرب ، الجامعة لمفترق المحاسن لوسطها بين المشرق و المغرب
"(6) 0
وقد ظلت الإسكندرية تحتل مكانة علمية وثقافية
متميزة في عصرالمماليك ، فقد أسهمت مدارسها في ازدهار العلوم والهندسة
والفلسفة والفلك وعلوم الدين ، وقد تحقق ذلك نتيجة توافد العلماء من
مشارق الأرض ومغاربها منذ العصر الفاطمي ، وكان لإنشاء دار المغاربة
ومدرستهم على يد صلاح الدين أثر كبير في وفود جمهور كبير من علماء
المغرب والأندلس ونزولهم بالإسكندرية وأسهموا في الحركة العلمية بها ،
وعلى هؤلاء العلماء أخذ كثير من أهل الإسكندرية علوم الحديث والقراءات
والفقه وعلوم اللغة العربية 0ومن أبرز المغاربة الشيخ أبو الحسن
الشاذلي الذي نزل بالإسكندرية سنة ( 642 هـ 1244 م ) وأسس فيها مدرسة
صوفية اشتهرت في الإسكندرية وحمل لواءها من بعده تلميذه الأندلسي
وخليفته أبو العباس المرسى ( توفى 686 هـ / 1287 م ) ثم ابن عطاء الله
السكندري ، وإلى جانب هذه المدرسة الصوفية قامت بالإسكندرية مدارس أخرى
لعل من أبرزها مدرسة الفقهاء المالكية التي أسسها الشيخ أبوالحسن
الأبيارى ( توفى سنة 612 هـ/ 1215 م ) 0
تدهور الإسكندرية في العصر العثماني :
عرفت الإسكندرية طوال القرن التاسع الهجري عصرا من الرخاء
فاق كل ماسبقه من عصور ، ولكن أعقب ذلك تدهور حاد في اقتصاديات المدينة
منذ مطلع القرن العاشر الهجري وطوال العصر العثماني ، و يرجع ذلك
لأسباب عديدة لعل أبرزها على الإطلاق كشف طريق رأس الرجاء الصالح سنة
892 هـ (1497م ) وتحول التجارة العالمية إليه ،ففقدت المدينة بذلك
قيمتها التجارية وانقطعت الصلة بينها وبين العالم الخارجي ، ويضاف لذلك
تعسف سلاطين المماليك آنذاك في جباية الضرائب خاصة من الأجانب
واحتكارهم بيع التوابل 0 وفرض رسوم باهظة على التجارة ، وبدأت السفن
الوافدة إلى الإسكندرية تقل بسبب زيادة الإرساب في قاعه وإنطماره
بالرمال 0كذلك فقد تعرضت الإسكندرية لزلازل مدمرة لعل أسوأها ماوقع في
عامي 702هـ (1302 م ) و777 هـ (1375م ) حيث دمرت بعض مبانيها خاصة منار
الإسكندرية الشهير ، وقد أنشأ السلطان قايتباي في مكانه قلعة باسمه سنة
884 هجرية ( 1479 م ) 0كما انتشرت الأوبئة بالمدينة في أوائل القرن
العاشر الهجري مما عجل بخرابها وتدنى عدد سكانها وسارت نحو التأخير
والاضمحلال بخطى حثيثة ، وعندما جاء الفتح العثماني لمصر سنة 922 هـ (
1517 م ) كانت الإسكندرية قد فقدت مكانتها القديمة وانتكست نكسة طويلة
طوال العصر العثماني لم تفق منها إلا في أوائل القرن التاسع عشر 0 فقد
انكمشت رقعتها العمرانية حتى صارت تشغل الرقبة الممتدة بين الميناءين
الشرقية والغربية ، و أصبحت تعرف بالمدينة التركية ، ووصلت إلى أقصى
ضيقها خلال سنوات الحملة الفرنسية الثلاث ( 1213 – 1216 هـ / 1798 –
1801 م ) حيث قدر سكانها آنذاك بنحو ثمانية آلاف فقط ( شكل 1 ) 0

شكل رقم (1)
الإسكندرية ودورها الحضاري في العصر الحديث :
كانت التطورات التي تتعرض لها تستغرق مئات السنين أصبحت
تحقق نموا كبيرًا في عشرات السنين ، وفى فترة وجيزة من حياتها تصل إلى
نحو مائتي سنة ( 1222 هـ - 1429 هـ ) ( 1807 م – 2008 م ) نمت واتسعت
مساحتها اتساعا ضخما وتحولت من محله عمرانية متواضعة إلى واحدة من أكبر
مدن البحر المتوسط والعالم العربي 0
ويرجع الفضل الأكبر في نمو الإسكندرية في
العصر الحديث إلى ( محمد على ) الذي حفر ترعة المحمودية سنة 1237 هـ
(1821م) والتي وفرت مياه الشرب لسكان المدينة وزراعة البساتين في
ضواحيها ، كما أنها أعادت الشريان الرئيسي للمواصلات بين الإسكندرية
وبقية أنحاء مصر مما ساعد على استعادتها لمركزها القديم منفذا لتجارة
مصر الخارجية 0
وقد تزايد اهتمام محمد على بالإسكندرية ،فأصلح ميناءها
ووسعها وقام بتحصين المدينة واتخذها قاعدة للأسطول المصري في البحر
المتوسط وأنشأ بها دارا للصناعة ، وبالإضافة إلى ذلك فقد أدى مد الخط
الحديدي بين الإسكندرية والقاهرة سنة 1277 هـ ( 1856 م ) إلى الإسراع
بنمو المدينة واتساع رقعتها ، ثم اتصلت بالسويس بعد ذلك بعامين مما أثر
في رواج تجارتها حيث قامت بخدمة تجارة العبور بين أوروبا والشرق ، غير
أن شق قناة السويس بعد ذلك أنتزع من الإسكندرية تجارة العبور الدولية
واقتصر دور مينائها على الصادرات والواردات
المصرية التي أخذت تنمو بدرجة كبيرة بعد أن توسعت مصر في زراعة القطن
وتصديره للخارج 0
وقد انعكست مظاهر التقدم العمراني الذي شهدته الإسكندرية
طوال القرن التاسع عشر على نموها السكاني، فقد تزايد عدد سكانها بدرجة
كبيرة من نحو 40.000 نسمة سنة 1255 هـ (1840م) إلى 232.000 نسمة سنة
1299 هـ (1882م) ثم إلى 316000 نسمة سنة 1314هـ (1897م) 0وقد تميزت
بوفود عدد كبير من الأجانب الذين أثروا في حياتها تأثيرًا كبيرًا وكان
معظمهم من اليونانيين والإيطاليين والفرنسيين والإنجليز وتركوا بصمات
واضحة على عمارتها ووظائفها وثقافتها أكثر من آية مدينة أخرى في مصر 0
وقد واصلت الإسكندرية نموها العمراني في القرن
العشرين باطراد ، واتسعت رقعتها نحو الشرق بدرجة كبيرة حتى التحمت
بضواحيها التي كانت في معظمها قرى قريبة من المدينة إلا أنها اختفت
وأصبحت مجرد أحياء داخل ضاحية الرمل شرق الإسكندرية 0وإمتدت طرق
المواصلات الداخيلة لتزيد من رقعة المدينة ونموها شرقا ، وقد شهدت
إنشاء عدد كبير من المصانع و المنشآت ودور العلم ، وتزايد الاعتناء بها
كمصيف تتعاظم أهميته عامًا بعد عام ( شكل 2 ) 0

شكل رقم (2)
وقد واصل سكان الإسكندرية نموها بشكل مطرد في القرن العشرين
وبمعدل كبير خاصة منذ الحرب العالمية الثانية ، فقد قفز عدد سكانها من
353.800 نسمة سنة 1325 هـ (1907م) إلى 919000 نسمة سنة 1367هـ (1947م )
ثم إلى 1.516.000نسمة سنة 1380هـ (1960م) 0وتضاعف عدد السكان تقريبا
بعد حوالي ربع قرن فقط ليصل إلى 2.917.000 نسمة سنة 1406هـ (1986م) ثم
إلى 4.110.015 نسمة سنة 2006م وكانت الهجرة الوافدة إليها من كل أنحاء
مصر عاملاً هاما من عوامل نموها السكاني حتى أصبحت ثانية المدن المصرية
في حجم السكان (7) 0
وقد تعاظم دور الإسكندرية الإقتصادى والحضاري
في العصر الحديث ، وأصبحت مدينة مليونية متعددة الوظائف ، فهي ميناء
مصر الأولى ، وبلغ حجم تجارتها نحو 27 مليون طنا سنة 2001 م 0 أوما
يعادل 56 % من حجم تجارة مصر الخارجية ، كما أصبحت قاعدة رئيسية
للصناعة المصرية حيث يتركز بها أكثر من ثلث هذه الصناعة خاصة الغزل
والنسيج والصناعات الكيماوية والصناعات الغذائية ، كما تستوعب صناعات
المدينة نحو ربع العمالة الصناعية في البلاد0
والإسكندرية مركز ثقافي وتعليمي وسياحي رئيسي
في مصر ، وقد واكب دورها الثقافي نموها العمراني إلى حد كبير ( فقد
أنشئت بها كثير من دور العلم خاصة جامعة الإسكـــندرية ( 1362هـ ـ
1942م ) وأسهمت المدينة بتراثها وبيئتها ووظائفها بدور كبير في حضارة
مصر الحديثة ، فأخرجت أدباء وعلماء ورجال صحافة وموسيقى وفنون كما لعبت
دورا كبيرا في الحركة الوطنية المصرية على امتداد مراحل الكفاح الوطني
منذ أواخر القرن التاسع عشر حتى تحقيق الاستقلال ، ثم توج ذلك كله
بإحياء مكتبة الإسكندرية سنة 2002م لتكون نافذة مصر على العالم ،
ونافذة العالم على مصر.
وبالإضافة إلى وظائفها التجارية والصناعية
والثقافية ، فإن الإسكندرية تعد من أكبر المركز السياحية في مصر ،
ويمثل الاصطياف النسبة العظمى من حركة السياحة بها ، وقد ساعد على ذلك
موقعها الجغرافي المتميز واعتدال مناخها وسهولة اتصالها بباقي أنحاء
البلاد ، ووجود مناطق أثرية هامة بها ترجع في معظمها للعصرين اليوناني
والروماني والعصرالإسلامى 0
والإسكندرية منذ نشأتها بوابة حضارية ونافذة
تطل بها مصر على البحر المتوسط ، وأصبحت مثالاً للتبادل الحضاري بين
الشرق والغرب في العمارة والفنون والآداب والعلوم ، كما أنها تحمل منذ
نشأتها المبكرة سمات الحضارة الإغريقية حتى وصفت قديمًا بأنها " مدينة
يونانية زرعت في مصر " 0
وقد تعاظم دور الإسكندرية الحضاري في العصر
الحديث خاصة عندما تزايدت العلاقات الدولية في حوض البحر المتوسط
واهتمام دول أوروبا بأقطاره العربية على الساحلين الأفريقي والأسيوى0
وأصبحت الإسكندرية معبرا اقتصاديا وثقافيا وحضاريا بين شمال حوض البحر
المتوسط وجنوبه أو بين حضارة الغرب المسيحي وحضارة الشرق الإسلامي
وشهدت أكثر من آية مدينة مصرية أخرى تأثير الجاليات الأجنبية في حياتها
وعمارتها وجمعت بذلك بين خصائص مدن وادي النيل ومدن البحر المتوسط في
آن معا حتى أضحت عالمية التأثير والتأثر من خلال موقع متميز ووظائف
متعددة وتاريخ عريق 0
وقد واكب النمو السكاني والوظيفي للإسكندرية تزايد في مساحة
المدينة والمحافظة ، فقد تزايدت المساحة من 71 كيلو مترا مربعا سنة
1947 إلى 289.5 كيلو مترا مربعا سنة 1960 ثم إلى 314.4 كيلو مترا مربعا
سنة 1976 ، وبعد توسع المحافظة إداريًا بعد ذلك بلغت أقصى اتساع لها
سنة 2006 حيث أصبحت مساحتها 2300 كيلو مترا مربعا منها 1675كيلو مترا
مربعا مساحة مأهولة بنسبة 72.8% من المساحة الكلية ، أما باقى المساحة
التي تبلغ 625 كيلو مترا مربعا فهي غير مأهولة (8) ( شكل 3 ) 0

شكل رقم (3) حدود الإسكندرية في الوقت الحاضر
2008
أهم المراجع :
1. السيد عبد العزيز سالم – تاريخ مدينة الإسكندرية وحضارتها في العصر
الإسلامي – الإسكندرية – 1985 – ص 30 0
2. المرجع السابق – ص 78 0
3. محمد صبحي عبد الحكيم – مدينة الإسكندرية – القاهرة – 1958 – ص
123 0
4. أبن جبير – رحلة بن جبير – تحقيق حسين نصار – القاهرة – 1955 –
ص 8-9 0
5. عبد العزيز سالم – المرجع السابق – ص 84 0
6. رحلة بن جبير – المرجع السابق ص 20 0
7. راجع ذلك بالتفصيل في :
أ- فتحي أبو عيانه – سكان الإسكندرية – دراسة جغرافية وديموغرافية -
دارالثقافة الجامعية – الإسكندرية 1980 0
ب-
فتحى أبو عيانه – جغرافية الإسكندرية – دار المعرفة الجامعية –
الإسكندرية 2005 0
8. ج0م0ع مجلس الوزراءـ مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار ـ وصف مصر
بالمعلومات 2007ـ الإصدار السابع ـ الجزء الثاني ـ القاهرة ـ 2007 ـ ص
30
******
أعلام الإسكندرية في العصر الإسلامي
رغم أن المؤرخين الأجانب والمصريين قد أفاضوا بالحديث
عن شخصيات عديدة عاشت بالإسكندرية في عصورها القديمة اليونانية
والرومانية وأسهموا بشكل بارز في دورها الحضاري والعلمي في تلك العصور
إلا أن أعلام الإسكندرية في العصر الإسلامي لا يقلون عنهم أثرًا ولا
قيمة حيث أسهم الكثير منهم في ترسيخ ثقافة الإسكندرية كمركز للثقافة
الإسلامية وحامية لها حتى أصبحت واحدة من أهم المراكز العلمية
والثقافية في العصرالإسلامى تفخر بعلمائها ورجال الأدب والفكر بها ،
وتنتشر في ربوعها المساجد والمدارس والربط ،وتجذب إليها طلاب العلم
والعلماء من أقصى المشرق ومن أقصى المغرب 0
وقد تجلى دور أعلام الإسكندرية في مراحل شتى من تاريخ المدينة ، فلقد
كانت ملتقى العلماء والفقهاء في العصر الفاطمي، وحاولت الدولة الفاطمية
نشر المذهب الشيعي ولكن تصدى لها علماء الإسكندرية وفقهاؤها ، واحتضنت
الإسكندرية الحركة المضادة للتشيع ، وعلل بعض الباحثين ذلك من منظور
جغرافي ، ذلك لأن جنوح المعارضين إلى الإسكندرية كان بحكم موقعها
المتطرف في شمال غرب الدلتا وعزلتها عن بقية مدن مصر ، واتصالها بالطرق
المؤدية إلى برقة وشمال أفريقيا ، وبعالم البحــر المتوسط ، ودور ذلك
في حريــة الفكر والثقافة 0
وقد تجلى موقف الإسكندرية الرائع في حماية الإسلام والسنة، عندما أيد
أهالي الإسكندرية صلاح الدين الأيوبي، وصمدوا إلى جواره، وقدموا له كل
العون رغبة في التخلص من الفاطميين وكراهية في المذهب الشيعي وأصحابه 0
وقد تزعم قيادة أهل الإسكندرية لمناصرة ( صلاح الدين الأيوبي ) فقيه
من فقهاء الإسكندرية ، وإمام من أئمة السنة بها وهو " أبو الطاهر عوف "
، وحق لصلاح الدين أن يذكر لأهل الإسكندرية هذا الموقف بعد ذلك ، حيث
ظلت الإسكندرية تسانده حتى تولى زمام الأمور وأعاد مصر ُسنيِِة ،
وواصلت الإسكندرية مساندتها له حتى بدأ جهاده المقدس ضد الصليبيين
والذي امتد حتى نهاية العصر الأيوبي ، ووقفت الإسكندرية بكل قواها وراء
صلاح الدين ، وخلفاؤه ولم نسمع أنها شذت مرة واحدة – طوال العهد
الأيوبي عن الجهاد ( 1) 0
والواقع أن الإسكندرية كانت دار رباط ، وثغرا هاما من ثغور الجهاد ،
وهناك كثيرمن الأقوال عن فضلها وأجرا لإقامة فيها واحتلت بذلك مكانة
خاصة في قلوب المسلمين ، ووفدوا إليها من المشرق والمغرب طلبا للأجر
ورغبة في الثواب 0 وقد حظيت بعناية خاصة في العصرين الفاطمي والأيوبي ،
وكان اهتمام الخلفاء بذلك لتكون مظهرًا من مظاهر قوة الدولة وأداة
للجهاد ضد أعداء الدين وداراً للإسطول 0 وكان لرجال الدين وفقهائه
مكانة متميزة في نفوس أهالي الإسكندرية، فكانوا يلتفون حولهم ،
ويكبرونهم أعظم إكبار ، وكانوا يمثلون الزعامة الحقيقية للمدينة ، كما
كانت كلمتهم مسموعة لدى الحكام .
ورغم تعدد الكتابات عن أعلام الإسكندرية الكثيرين في العصر الإسلامي ،
فإن ما كتبه جمال الدين الشيال عن هؤلاء الأعلام يظل هو الأوفى والأشمل
0 وقد أورد هذا المؤرخ الجليل ثلاث عشرة شخصية جاء بسيرتها ومسيرتها في
الإسكندرية طوال العصر الإسلامي والذي رأى أنه يمتد من دخول الإسلام
الإسكندرية حتى العصر الحديث أو ما أسماه بالعصر الإسلامي المتأخر ( 2
) 0
وقد بدأ جمال الدين الشيال - ذكر أعلام الإسكندرية بالصحابي الجليل
أبى الدرداء ، والتابعي الجليل عبد الرحمن بن هرمز ( الأعرج ) أستاذ
الإمام مالك وأحد إثنين وضعا قواعد اللغة العربية وعلم النحو 0 وأنتقل
بعد ذلك إلى ما أسماه عصر الذروة الفكرية والعلمية في تاريخ الإسكندرية
الإسلامية ، واختار ابرز أعلامه وأحدهم يمثل مدرسة الحديث وهو المحدث
الكبير الحافظ السلفي الذي جاء من مدينة أصفهان – واستوطن الإسكندرية
وجذب إليه طلاب هذا العلم من كل أنحاء العالم الإسلامي وتتلمذ عليه
الألوف من الطلاب 0
وجاء بعد ذلك ثلاثة علماء من يمثلون مدرسة الفقه المالكي احدهما أبو
بكر الطرطوشى الذي وفد من أقصى الغرب من مدينة طرطوشة بالأندلس ،
واستوطن الإسكندرية أيضا ، وكون مدرسة ضخمة وضع فيها معظم مؤلفاته ، و
الثاني هو أبو الطاهر بن عوف ، وهو أيضا احد أبناء الإسكندرية ومن أعرق
أسرها ، و الثالث هو الفقيه سند بن عنان تلميذ الطرطوشى 0
وجاء بعد ذلك علماء وفقهاء يمثلون المدرسة الصوفية التي عمرت بها
الإسكندرية في العصر الإسلامي وعلى رأسهم القطب أبو الحسن الشاذلي ،
وتلميذه أبو العباس المرسى وتلميذ تلميذه ابن عطاء الله السكندري ،
ومعاصر هؤلاء جميعا أبو القاسم القبارى 0
أما في العصر الإسلامي المتأخر والذي بدأ مع نهاية القرن الثامن عشر
وأوائل التاسع عشر ، فقد ذكر " الشيال " أعلاما ثلاثة ارتبطت
بالإسكندرية من ناحية وبالنضال المصري ضد الإستعماروالغزاة من ناحية
أخرى ، وهم السيد محمد كريم ، والسيد عبد الله النديم ، والشيخ عبد
العزيز جاويش ، وهم يمثلون كما ذكرنا – روح النضال الوطني ضد
الغزوالأجنبى على مصر 0
وجدير بالذكر أن هؤلاء الأعلام يعكسون التنوع الثقافي الذي شهدته
الإسكندرية الإسلامية ، فمنهم من كان عالم نحو ، ومن كان متخصصا في
الحديث ، ومن كان فقيهاً معلماً ، ومن كان صوفيا أو زاهداً متعبدا ،
ومنهم من كان خطيباً سياسياً ، أو مناضلا ضد الغزاة أو صحفياً 0
كذلك فإن هذه الكوكبة من الأعلام تدل على عالمية الإسكندرية الإسلامية
فقد وفد الغرباء منهم من أرجاء العالم الإسلامي وعاشوا بالإسكندرية دون
إحساس بالاغتراب بل بإحساسهم كمواطنين مسلمين يعيشون في بلد إسلامي
يرحب بهم ويتعلم منهم ويتفقه على أيديهم 0
أهم مراجع الدراسة :
1. فوزي أمين – الحركة الفكرية
والأدبية في الإسكندرية في القرن السادس الهجري – الإسكندرية دار
الوفاء – 2002 – ص 25 0
2. جمال الدين الشيال - أعلام
الإسكندرية في العصر الإسلامي - دار المعـــارف بمصر– القاهرة 1965 0
****** |